محمد غازي عرابي

963

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

ذكر الرحمن نور الضمير الممثل لاسمه سبحانه الهادي ، فهو بمثابة المصباح في الدياجير ينير للإنسان طريقه ، فيدرب درب الصلاح حتى يبلغ مأمنه ، ومن لا نور له لا ضمير له ، ومن لا ضمير له فإن له ظلمة ممثلها اسمه سبحانه المضل ، فالمضل هو من تعين في القرين وقاد الضال إلى السبيل المرسوم عينا فصده عن السبيل القويم الذي يسلكه المؤمنون . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 43 إلى 44 ] فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 ) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ( 44 ) [ الزخرف : 43 ، 44 ] عانت الأنبياء على مدى التاريخ ما عانوا ، وتعرضوا للعذاب والهوان على أيدي الكافرين والمشركين ، ولكم قتلت أنبياء في سبيل اللّه ، ولكم أحيط بهم في البر والبحر من قبل الظالمين ، لكن اللّه ثبت أنبياءه بالقول الثابت ، وثبتهم بالنور المبين ، نور الذات الذي إذا شع وضاء أشرق صبح اليقين في القلب ، فثبت في وجه العاديات ، وتحمل في اللّه ما تعجز عن تحمله السماوات والأرض ، ولقد عرفت الأنبياء والأولياء بالصبر والثبات والجلد واشتهروا ، وقال ابن عربي : لا يخلو الزمن من منازع ، ولما حم القضاء ، وجعل الجلادون يقطعون يدي الحسين بن منصور الحلاج ، جعل هو يكتب بدمه على الأرض : لا إله إلا اللّه . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 46 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ ( 47 ) [ الزخرف : 45 ، 47 ] الرحمن الرحمانية الجامعة التي هي صورة الأسماء الحسنى جميعا ، والأسماء هي حقائق صور الوجود جميعا ، فللآية لطيفة ، وذلك بردها كل ما عرف في الأرض من آلهة ، ومن عبادة هذه الآلهة إلى الرحمن وحده صاحب الصور . فللصورة صوت وإلهام ، وإلا لما عبدت ، ولما اجتذب إليها عابدوها ولما كان صوت الإلهام من صفات الرحمن كان الانجذاب الحق إلى الفعل الحقاني وحده ، ومن إدراك هذه الحقيقة قالت الصوفية لا معبود إلا اللّه وإن عبدت الصور والأصنام . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 48 إلى 50 ] وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 48 ) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ ( 49 ) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 50 ) [ الزخرف : 48 ، 50 ] لا آية على الحقيقة أكبر من العقل ، فبالعقل وحده تميز الإنسان عن سائر المخلوقات ، وبالعقل وحده صار مليكا في الأرض يفعل فيها ما يشاء ، ثم استطاع أن يبلغ القمر